قراءة في كتاب: «تجاوزات جيش التحرير الجنوبي في سوس» لعبد الله كيكر

قراءة في كتاب: «تجاوزات جيش التحرير الجنوبي في سوس» لعبد الله كيكر

صدفة ومغامرة

وحدها الصدفة قادت الأستاذ عبد الله كيكر لإصدار كتابه الأول المعنون ب «تجاوزات جيش التحرير الجنوبي في سوس من خلال الروايات والشهادات 1956- 1960» الصادر في الفترة الأخيرة. فبعد أن قضى الرجل ما يناهز ثلاثة عقود من العمل في قطاع التعليم بشقيه الإداري والتربوي حيث أنهى هذا المسار بشغله منصب الناظر بثانوية يوسف بن تاشفين الشهيرة بمدينة أكادير في جنوب المغرب، أراد أن يعمل شيئا لفائدة الثقافة والتاريخ المحليين الخاصين بجهته. فقرر إصدار كتاب لتلك الغاية، وهكذا قرر بداية الاشتغال على إحدى الشخصيات المعروفة بالمنطقة بإبراز مجموعة من الأحداث السياسية والتاريخية التي شهدها زمانها، ولما لاحظ أن عددا من المواضيع المرتبطة بجيش التحرير الجنوبي كثيرا ما تتكرر على مستوى الأحداث التي اهتم بتناولها ودراستها، واستقر رأيه على العمل على تبيان تجاوزات جيش التحرير الجنوبي باعتبارها من المواضيع التي يكتنفها الكثير من الغموض في تاريخ الجنوب المغربي.

شيء من التاريخ

تأسس جيش التحرير الجنوبي بعد حل جيش التحرير الشمالي سنة 1956، وتمثلت الغاية من وراء تأسيسه في العمل على تحرير الصحراء وموريطانيا، لكن، وبسبب افتقار هذا الجيش الناشئ إلى الموارد والإمكانيات فقد اعتمد كلية على السكان الذين احتضنوه. إلا أن ثلة من المنتمين إلى هذا الجيش سيستغلون هذه الثقة التي وضعها فيهم سكان الجنوب، فبدؤوا عمليات نهب وابتزاز واسعة في حقهم. وهكذ ا فقد تم الانقضاض على باشوات وقواد وشيوخ وتجار المنطقة الجنوبية وتم سلبهم جميع ممتلكاتهم بدعوى كونهم خونة ومتعاونين مع الاستعمار. وقد امتدت هذه العملية طيلة سنتي 1956 و 1957 إلى حدود سنة 1960 حيث تم حل هذا الجيش.

اعتراف القادة

اعترف السيد محمد بنسعيد أيت إيدر في كتابه «صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي» في الصفحة 77 بجزء من التجاوزات التي ارتكبها المنتمون إلى جيش التحرير الجنوبي مؤكدا مسؤولية هؤلاء فيما «حدث بكل من إقليمي ورزازات وأكادير سواء فيما يتعلق بحملة التعبئة ضد تحركات الجيش الفرنسي أو إجلاء عدد غير قليل من ضباط الشؤون الأهلية ورجال الدرك من الإقليمين المذكورين ثم الحملة التي مست المغاربة الذين اتهموا بخيانة وطنهم، وبتعاونهم مع الاستعمار الفرنسي، وإن صاحب تلك الحملة أخطاء أثارت انتقادات من طرف أوساط شعبية، ومن طرف مسؤولي الدولة في المنطقة في حينه، ونالت من السمعة التي يتمتع بها جيش التحرير لدى المواطنين».

ويتمثل السبب، حسب المؤلف عبد الله كيكر، في عدم انضباط أفراد جيش التحرير الجنوبي في تراخي قيادته مما فسح المجال لعدد من الانتهازيين الذين أخذوا يتصرفون تبعا لأهوائهم. ويمضي السيد بنسعيد في روايته لهذه الأحداث المأساوية قائلا بهذا الخصوص: «…وقد أقنعت هذه التجاوزات العديد من قادة المقاومة بالبيضاء، وأعضاء من قيادة جيش التحرير بالتدخل لمعالجة أسباب تلك التصرفات، وكان من الضروري انتقالي شخصيا إلى مركز القيادة بكلميم، وفتح نقاشات في لقاءات متعددة بهدف وضع حد لكل الممارسات التي تسيء إلى سمعة جيش التحرير من عناصر تنتمي إليه، كما طرحت فكرة معالجة بعض التجاوزات التي وقعت ضد مواطنين أبرياء لهم علاقة بالمشتبه في تعاونهم مع المستعمر». (الصفحة 121)

هبوب العاصفة

من نافلة القول أن الباشوات والقواد والشيوخ في منطقة سوس لم يكونوا منزهين عن ظلم وقهر واستغلال الساكنة المحلية، وذلك شأنهم شأن العديد من رجال السلطة في مغرب تلك الفترة. غير أن لهم بالمقابل أعمالا حسنة تتمثل في شق الطرق وحفر الآبار وتشييد المدارس مع إرغام الأهالي لإرسال أبنائهم إليها…

حينما جاء جيش التحرير الجنوبي، قام عناصره بتحديد مجموعة من الأشخاص الذين قام أولا بتجريدهم من كل ممتلكاتهم ثم اختطافهم وإعدامهم ودفنهم في مقبرة جماعية في الصحراء. ومن هؤلاء: محمد بن إبراهيم التيوتي باشا تارودانت- الطيب الضرضوري قائد أولوز- العربي بن عبيد قائد أولاد ترنا- محمد بوزيت قائد إرازان- محمد بن المهدي قائد منتاكة- باها بن الحاج عبد الله قائد إسافن- عبد الله الجراري قائد أيت جرار- علي أغشي قائد أين وفقا- الشيخ محمد كوعبلا شيخ أيت عبلا- الطاهر أولمدني قائد بيزاكارن- وادي العياشي خليفة باشا تيزنيت- إيراهيم أبلاغ شيخ أساكا- الشيخ إدريس شيخ إحشاش- سي الحسن إحيحي ترجمان بمرلفت- السكاوي- إبراهيم أولباشا- المعطي البوليسي- الفرياطي.

مع الإشارة إلى أن هناك مجموعة من الأشخاص الذين تمكنوا من النجاة بحياتهم بطريقة من الطرق كان من أكثرها استعمال المال كفدية مقابل إطلاق سراحهم.

دور حزب الاستقلال

توقف المؤلف بكثير من الإسهاب عند الدور الذي لعبه حزب الاستقلال في مسلسل تصفية الأشخاص المشار إليهم وغيرهم ثم مصادرة جميع ممتلكاتهم. لقد قام بإجبار الكثيرين على الانخراط في هذا الحزب ومساعدته على تحقيق هدفه السياسي الكبير المتجسد في إخضاع منطقة سوس وأهاليها لإيديولوجيته، ومن لم يمد يد المساعدة للحزب فإن مصيره سيكون التصفية الجسدية والاستحواذ على أملاكه من قبل جيش التحرير الذي كان أداة طيعة في قياديي الحزب. في هذا الصدد يقول عبد الكريم الخطيب في كتابه «مسار حياة»: «…ومن المضحك والمبكي في الآن نفسه، أن كثيرا من الناس اشتروا حياتهم بأموال باهظة، كانوا يدفعونها إلى بعض مسيري ومفتشي الحزب الوحيد آنذاك، كانت بطاقة الحزب تباع بالغالي والنفيس، كل من اشترى البطاقة اشترى براءته» ( الصفحة 135).

لقد استغل قادة الحزب الوحيد مليشيا جيش التحرير من أجل تصفية الحسابات مع خصومهم ممن كانت لديهم حظوة لدى قوات الحماية: حكام، قضاة، باشوات، قواد، تجار، تراجمة، علماء…

تناقض هيئة الإنصاف والمصالحة

تم تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة من أجل دراسة الوضع الحقوقي العام الذي ميز الفترة الفاصلة بين 1956 و1999. غير أنه لأسباب معينة لم يتم التطرق إلى ملف مختطفي جيش التحرير بجنوب المغرب بناء على ما ورد في مجموعة من المؤلفات التي وثقت لهذه الحالات وبناء على طلبات الإنصاف التي تقدمت بها عائلات هؤلاء الضحايا التي ظلت تعيش مأساة اختفائهم ومصيرهم المجهول لما يقارب نصف قرن. أما التناقض الكبير الذي أوقعت فيه هذه الهيئة الرسمية نفسها فيتمثل- حسب خاتمة هذا الكتاب- في إصدارها لمقرر تحكيمي نتج عنه إقرار رسمي وعلني واعتراف بمسؤولية أجهزة الدولة عن خروقات جيش التحرير وعوضت بعضهم، إلا أن الأكثرية من ذوي الضحايا وورثتهم لم يشملهم هذا التحكيم وهذا القرار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *